إفريقيا في قلب السياسة الروسية: أبعاد جولة لافروف الأخيرة

مع دخول الحرب الروسية على أوكرانيا عامها الثاني، يُضيّق الغرب الخناق دوليًّا على موسكو ويحاول عزلها عن العالم. ولذا تسعى روسيا لكسر طوق العزلة عبر توجيه جهودها الدبلوماسية نحو الشرق الأوسط والقارة الإفريقية. فللمرة الثانية منذ بداية هذا العام، أجرى وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف جولة على الدول الإفريقية، حيث زار في يناير الماضي جنوب إفريقيا وأنغولا وإريتريا، تلتها زيارة ثانية في فبراير الجاري إلى مالي وموريتانيا والسودان. وذلك بعد أن زار الجزائر في مايو الماضي فضلًا عن مصر والكونغو وأوغندا وإثيوبيا في يوليو الماضي.

اشتملت جولات لافروف في القارة السمراء على ملفات عدة من أبرزها القمة الإفريقية- الروسية المرتقبة في يوليو المقبل، وملف “مكافحة الإرهاب” في وسط وغرب القارة وملف الأمن الغذائي، فضلًا عن عروض روسية بالتعاون المشترك في مجالات اقتصادية متعددة كقطاعات الطاقة والطاقة النووية والتعدين والتسليح وغيرها. وذلك ضمن جهود موسكو للعب دور بارز في مواجهة النفوذ الغربي دوليًّا وإنهاء مرحلة الأحادية القطبية.

التحليل

تجد روسيا الفرصة مناسبة لتعزيز حضورها في منطقة الساحل ووسط إفريقيا، حيث تنتشر قوات فاغنر في كل من السودان وإفريقيا الوسطى وليبيا وزيمبابوي وأنغولا ومدغشقر وغينيا وموزمبيق والكونغو الديمقراطية، كما يتصاعد نشاط الشركات الروسية في القطاعات الاقتصادية كافة. وتأمل موسكو في زيادة مبيعات أسلحتها حيث تمثل صادرات السلاح نحو 49% من إجمالي الصادرات الروسية إلى القارة السمراء، كما تمثل نحو 37.6% من حصة سوق السلاح الإفريقية.

تتوسع خُطط روسيا في المنطقة لتطال مالي وتشاد، حيث وعد لافروف بدعمها في “مكافحة الإرهاب” ومواجهة “التوسع الاستعماري الجديد” في إشارة للنفوذ الفرنسي فيها. كما تروج شبكات إعلامية عبر وسائل التواصل الاجتماعي لدعاية معادية للغرب عمومًا وفرنسا خصوصًا، وتتهم باريس بأنّها “ذات مطامع استعمارية” فيما تمتدح سياسات الرئيس الروسي بوتين.

وفي ظل انتشار موجة شعبية كبيرة في دول الساحل والصحراء تصر على خروج فرنسا الكامل من أراضيها، فإنَّ المنافسة الروسية الفرنسية بدأت تأخذ منحى جديدًا عنوانه “الإبعاد والإبدال”. ويعضد التوجهات الروسية شعور العديد من الدول الإفريقية بصعوبة التعامل مع التحديات السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية التي تواجهها في ظل فقدانها الثقة بالسياسات الغربية وتدخل واشنطن وباريس في شئونها الداخلية. فيما تواجه روسيا مساعي غربية للحد من توسع نفوذها في إفريقيا، حيث تضغط إدارة بايدن منذ شهور على القادة العسكريين في السودان وليبيا لإنهاء علاقاتهم بمرتزقة ميليشيات فاغنر.

تنظر القوى الغربية للدول الإفريقية كإرث استعماري يمثل امتدادًا طبيعيًّا لها، بينما تنأى روسيا بنفسها عن السجالات الداخلية في تلك الدول وتعمل على تأسيس شراكة معها تحقق من خلالها مصالحها المختلفة. ورغم الاهتمام الكبير الذي تبديه موسكو بالقارة السمراء، فإنّ حضورها هناك يبقى رهن نجاحها في إثبات مصداقيتها أمام الأفارقة بعد الفشل الغربي في المرحلة السابقة. ومع استمرار الحرب في أوكرانيا، يُتوقع أن تعزز موسكو من نشاطها في إفريقيا وتصعد من مواجهتها للنفوذ الغربي فيها.

مشاركات الكاتب