منذ انتهاء ولاية الرئيس اللبناني الأسبق ميشال عون بنهاية أكتوبر الماضي، يعيش لبنان شغورًا رئاسيًّا وأزمة دستورية تكاد توقع بين حزب الله وحلفائه من المسيحيين. ففي ظل غياب رئيس للجمهورية يقضي الدستور اللبناني بأن تُحال صلاحيات الرئيس لمجلس الوزراء مجتمعًا، بما في ذلك صلاحيات توقيع البنود والمراسيم الوزارية، وذلك منعًا لتعطل البلد.
لكن حزب القوات اللبنانية وحزب الكتائب والتيار الوطني الحر- رغم الخلاف الحاد بين الأخير من جهة والقوات والكتائب من جهة أخرى- يرفضون انعقاد مجلس الوزراء بصيغته الحالية بذريعة أنّ حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الحالية مجرد “حكومة تصريف أعمال” فقط، ولا يحق لها العمل بصلاحيات رئيس الجمهورية لفقدانها الثقة والصفة الدستورية اللازمة.
الموقف الأبرز والمعارضة الأشد جاء من التيار الوطني الحر ورئيسه النائب جبران باسيل الذي ركز هجومه على حليفه الاستراتيجي “حزب الله” وقال إنَّ “مشكلتنا هي مع الصادقين الذي نكثوا بالاتفاق وبالوعد والضمانة”، في إشارة إلى الحزب. وبالمقابل رد حزب الله على تصريحات باسيل ببيان جاء فيه: “حزب الله لم يقدّم وعدًا للتيار الوطني الحر بأنّه لن يحضر جلسات طارئة للحكومة إذا غاب عنها وزراء التيار” مضيفًا أنَّ “مسارعة بعض أوساط التيار إلى استخدام لغة التخوين والغدر والنكث خصوصًا بين الأصدقاء، هو تصرّف غير حكيم وغير لائق”.
يعد هذا بمثابة الخلاف الأول من نوعه بين الوطني الحر وحزب الله منذ “تفاهم مار مخايل” عام 2006 الذي أسس لتحالف استراتيجي بين الجانبين. فعادة ما عولجت الخلافات بينهما بعيدًا عن الإعلام، إلا أنّها طفت على السطح مؤخرًا، وبلغت أوجها على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بين المناصرين.
تمحورت تصريحات التيار الوطني الحر حول عبارات “صلاحيات رئيس الجمهورية” و”ضرب الشراكة الوطنية”، والتي تدور كلها حول دور المسيحيين في نظام الحكم، ما أعاد إلى ذاكرة المواطنين والمتابعين للشأن اللبناني عنوان “المارونية السياسية” الذي ظل فاعلًا طوال الحرب الأهلية اللبنانية، وأثار الريبة والمخاوف في نفوس المسلمين وأشعل الحماس لدى المسيحيين، وزاد من الاستقطاب الطائفي الذي يلازم المشهد السياسي في لبنان.
تفكيك المارونية السياسية وتحالف الحزب وعون
نشأ مفهوم “المارونية السياسية” فعليًّا مع إعلان الاستعمار الفرنسي عن قيام “دولة لبنان الكبير” عام 1920، ويُعنى به: تعاطي أقطاب الموارنة مع السياسة من منطلق طائفي يدفعهم للتمايز عن محيطهم العربي والإسلامي والنظر إليه بعين المخاوف المتوهمة. لكن هذا المفهوم تراجع نسبيًّا مع اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية محدثًا توازنًا بين الدورين المسيحي والمسلم في حكم البلاد، بعد تفوق مسيحي عقود من الزمن.
فمع إخراج العماد ميشال عون من لبنان إلى منفاه في باريس ودخول قائد القوات اللبنانية سمير جعجع السجن وإحكام النظام السوري قبضته الأمنية على لبنان، خسرت الساحة المسيحية أبرز قادتها وشهدت انكفاءً عن المشهد اللبناني عمومًا إلى أن خرج النظام السوري من لبنان عام 2005، وخرج معه جعجع من السجن وعاد عون من منفاه إلى بيروت.
أمام تلك المتغيرات المتسارعة آنذاك، ومنعًا لتشكيل جبهة مسيحية على غرار الجبهة اللبنانية خلال الحرب الأهلية اللبنانية، تدارك حزب الله الموقف واستغل النزاع القديم المتجدد بين عون وجعجع على مراكز النفوذ وزعامة المسيحيين، وبدأ سلسلة لقاءات ومباحثات مع عون تُوّجت بـ “تفاهم مار مخايل” عام 2006. الذي أوصل عون للسلطة والنفوذ عبر توليه رئاسة البلاد، لكنه في مضامينه أعطى حزب الله مكاسب جوهرية، فقد استطاع إحداث شرخ كبير داخل الشارع المسيحي وعزز صورته الجديدة كحزب وطني لا يريد إلغاء المسيحيين بل يحفظ حقوقهم ويعطيهم الضمانات، وعزز مواقفه في البرلمان والحكومة بتحالفه مع الكتلة المسيحية الأكبر في البرلمان حينها.
اليوم، وبعد أكثر من 15 عامًا من تفاهم مار مخايل، يبدو أنَّ الفجوة تتسع بين حزب الله والتيار الوطني الحر، فالحزب أوفى بالتزامه تجاه عون وتياره وساعده على الفوز برئاسة الجمهورية والعديد من الوزارات السيادية الهامة طيلة السنوات الماضية. لكن التحالف القائم على المصالح المتبادلة تأثر بتلاشي بعض هذه المصالح ولو من طرف واحد. ومع التمايز الواضح في المواقف والآراء على الصعيدين الداخلي والإقليمي بين الحزب والتيار، يبدو من الصعب بالنسبة للأخير المضي في تحالفه مع الحزب، خاصة وأنّه أفقده الكثير من شعبيته داخل الشارع المسيحي.
فرنجية بديلا
يسعى حزب الله اليوم لإيصال مرشحه سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية بعد استبعاده ترشيح جبران باسيل، ففرنجية أقرب للحزب ومحور الممانعة من باسيل وعون، وعلاقته مع حزب الله والنظام السوري تنطلق من قناعاته لا من المصالح المرحلية.
في المقابل، يرى التيار الوطني الحر أنَّ باسيل هو مرشحه الطبيعي لرئاسة الجمهورية وأنَّ رؤية فرنجية للدولة اللبنانية والدور المسيحي في لبنان تتناقض جوهريًّا مع رؤيته وقناعاته. ولذا يبدي باسيل والتيار الوطني الحر معارضة مطلقة لترشيح فرنجية، بل وتوحي تصريحات بعض مسؤوليه أنَّ التيار لن يتراجع عن موقفه وإن أدى ذلك لانهيار التفاهم مع حزب الله.
وهكذا، ينطلق ميشال عون وصهره باسيل وتيارهما عمومًا من القناعات نفسها التي ينطلق منها سمير جعجع وحزب القوات اللبنانية والتي تندرج تحت مفهوم “المارونية السياسية” وتشتمل على: تفوق المسيحيين في لبنان، والحفاظ على دورهم الرائد في حكمه خشية أن يبتلعهم المحيط الإسلامي الذي يعيشون فيه على حد اعتبارهم. لكنهم يختلفون على من يقود الساحة المسيحية ويرث تركة مؤسس القوات اللبنانية بشير الجميل، وهو خلاف أخذ بعدًا عسكريًّا في ثمانينيات القرن الماضي، ويأخذ بعدًا سياسيًّا منذ العام 2006.
ينذر هذا الخلاف المتصاعد بين حزب الله والتيار الوطني الحر بشد عصب المارونية السياسية التي سكنت خلال السنوات الماضية، الأمر الذي قد يتكشَّف عن اصطفافات جديدة وتحالفات مغايرة من شأنها أن تبدل موازين القوى في لبنان وتزيد من حدة الاصطفاف الطائفي فيه.