المجتمع المصري وآفاق التغيير

اضغط لتحميل الملف

المجتمع المصري

بعد مرور عقد كامل على ثورات الربيع العربي شهدت خلاله إخفاقات متكررة وانتكاسات لكن روح الأمل والتغيير لم تنطفئ، فبالرغم من الآلة الاستبدادية والقمعية الشرسة التي نالت من الشعوب، إلا أنها لم تستطع إخماد روح الثورة ، فبعدما توهمت الأنظمة المستبدة أن موازين القوى تميل لها بشكل  حاسم، خرجت الجماهير في الجزائر ولبنان والعراق وتجددت التظاهرات في مصر في سبتمبر 2019 و2020 لتعيد إحياء الحالة الثورية من جديد، فالشعوب العربية لازالت حية تنبض بالتغيير.

وعلى الجانب الآخر فإن شرائح من التي شاركت في ثورات الربيع ظنت أن الثورات فشلت وأن التغيير لم يعد ممكنا، فصدرت اليأس لقطاعات عريضة من المؤمنين بالثورة، وأصبحت أطروحاتها حجر عثرة في وجه أي حراك شعبي يدعو للتغيير متخذة من “السكون” شعارًا لها، وتخيلت أنه يمكن حصر الصراع في غرف التفاوض السياسي والنخبوي بعيدًا عن الشعب، وهو خيار أثبت فشله على مدار العقود السابقة. فالتغيير الحقيقي ينبع من القوى المجتمعية الحية التي تحظى بغطاء شعبي لكي تتمكن من تمرير هذا التغيير وحمايته مع عدم إغفال باقي مقومات التغيير اللازمة، ولنا في الحالة المصرية خير مثال.

لقد أظهر استطلاع رأي نشرته صحيفة “الجارديان” وفريق “مؤسسة يوجوف للاستطلاعات” في ديسمبر 2020 أن شعوب البلدان التي شهدت ثورات الربيع العربي لا تشعر بالرضا في الفترة الحالية لاسيما  في البلاد التي شهدت حروبًا أهلية وانقلابات. وتشير نتائج الاستطلاع المذكور إلى أن “الشعور باليأس والحرمان” اللذين تسببا بتلك الفترة المضطربة من تاريخ المنطقة، قد تزايدا، وأن الذين شاركوا فيها ليسوا نادمين على الثورات باستثناء الدول التي عانت من حروب أهلية. حيث يشير الاستطلاع إلى أن الشباب الجزائري ما بين 18 -24 عاما مع نظرائهم في تونس ومصر والعراق أقل ميلا للتعبير عن “ندمهم من المشاركة في التظاهرات العامة والثورات”. وسجلت تونس أعلى نسبة لمن يقولون إن حياتهم تحسنت بعد الثورة، حيث قال 86% من التونسيين المشاركين في الاستطلاع أنهم يشعرون حاليا بقدر عال من الحرية مقارنة مع ما كان عليه الوضع في ظل نظام “بن علي”.

النموذج المصري: تحديات صعبة

تعتبر الطبقة الوسطى هي حاملة الثورات والتغيير، وهو ما فطن له النظام المصري فعمل على تقزيم دورها وتقليص حجمها قدر المستطاع، فزاد عليها الأعباء وصدر لها الأزمات من أجل تيئيس الشباب والقضاء على حلمهم بحدوث تغيير، لكن موجات الاحتجاج عادت لتتصاعد من جديد، فبرزت تظاهرات في عامي 2019 و 2020 دعا لها المقاول محمد علي واتسمت بمشاركة الطبقة الوسطى  فيها، واندلعت معظم التظاهرات في المدن في عام 2019 بينما في عام 2020 شاركت الطبقات المهمشة والفقيرة في الأطراف والقرى، وكان من الملفت مشاركة فئات الشباب في تظاهرات كلا العامين  و بالأخص مشاركة شريحة الشباب ما دون 15 عاما في مظاهرات 2020، ولكن السؤال هنا لماذا لم تنجح هذه التظاهرات في الاستمرار وإحداث تغيير، وفي رأينا فإن هذا يرجع لعدد من الأسباب يجب وضعها في الحسبان من قبل صانعي التغيير:

  • عدم قدرة المتظاهرين عام 2019 في الاستمرار بالتظاهر في المراكز الحضرية وعلى وجه الخصوص القاهرة التي تتمركز بها السلطة ويليها مدينة الاسكندرية، ولذلك في عام 2020 أغلق النظام كل المدن الكبرى بشكل كامل وهو ما جعل معظم التظاهرات داخل القرى ولم تمتد إلى مراكز المحافظات، مما أضعف تأثيرها.
  • عدم وجود كتلة منظمة ومتماسكة قادرة على تحريك المظاهرات وإدارتها.
  • التوجس من مشاركة قوات من الجيش في مواجهة التظاهرات جعل الجماهير تدرك أن المظاهرات ستكون لها ضريبة باهظة في حال المشاركة بها.
  • التسليح القوي لقوات الشرطة والاستعداد والتحفز لقمع الجماهير بشكل يفوق نظيره في 2010-2011.

زيادة الأعباء والبحث عن مخرج

تتزايد معاناة المصريين يوما تلو الآخر نتيجة مرورهم بظروف اقتصادية صعبة وحالة معيشية متردية تتجلى في ضعف الخدمات، والغلاء المعيشي المستمر، وارتفاع معدلات البطالة، فضلًا عن الهزال في منظومة الرواتب خاصة بعد تعويم الجنيه نهاية عام 2016 إذ لم ترتفع الرواتب بالقدر الذي يكافئ الارتفاع الجنوني للأسعار.  فضلا عن فرض الحكومة للضرائب بشكل مبالغ فيه والتمادي في رفع أسعار السلع الرئيسية.

ويمكننا القول إن المجتمع المصري يشهد تراكمًا لحالة الغضب بشكل متنامٍ، فالنظام المصري مستمر في قبضته الأمنية والهيمنة على المجتمع ومصادرة حقوقه، فضلًا عن الإغلاق التام للمجال السياسي، لكن رغم ذلك خرجت الجماهير في 568 احتجاجا منذ يناير 2019 حتى منتصف 2021 تطورت فيها المطالب الجماهيرية حتى وصلت للمطالبة بإسقاط السيسي.

لكن من زاوية أخرى ينوع النظام أساليبه في التعامل مع الجماهير، فيحاول امتصاص حالة الاحتقان بحل بعض الأزمات والتجاوب مع المواطنين عبر مواقع التواصل الاجتماعي أحيانًا ، ويستخدم القبضة الأمنية وحملات الاعتقالات أحيانا أخرى، وهو ما يتفاوت بحسب التوقيت ومكان الاحتجاج وطبيعة المطالب.

لقد فطن النظام لأهمية مواقع التواصل الاجتماعي ومدى فقره الشديد فيه،فبدأت مؤسسات الدولة مثل الشرطة والنيابة العامة ومجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية  في التعامل بشكل مباشر مع المواطنين بهدف تحسين صورة النظام وإنهاء بعض حالات الجدل اليومية المثارة حول بعض الأحداث، فضلًا عن شن حملات اعتقالات لبعض النشطاء على موقع التواصل الاجتماعي بهدف السيطرة على المحتوى المثار  على وسائل التواصل الاجتماعي من داخل مصر.

لا زال الشارع المصري ملتهبًا، وباتت حالة الانفجار محتملة في أي وقت، فخروج مئات الاحتجاجات دون وجود قيادة سياسية أو معارضة قادرة على مخاطبة الجماهير خير دليل على ذلك، وإن الوضع الاقتصادي و الضيق الشديد الذي يعيش فيه المصريون لن يستمر طويلًا  في حال عدم تقديم النظام لحلول لأزمات الشارع المصري.

خلاصات

  • إشكاليات عدم خروج الشعوب للقيام بالثورة

يمكننا القول إن من أهم إشكاليات عدم قيام الشعب بثورة هو الخوف من القبضة الأمنية الشديدة التي تجهض أي تحرك، وتجعل من أي حراك ذا تكلفة عالية، فضلا عن تخوف الناس من تقديم تكلفة باهظة وأثمان كبيرة دون تحقيق نجاح يذكر. كما قد يسيطر على الناس نوع آخر من الخوف وهو التوجه للمجهول، فعلى سبيل المثال قد يحصل المواطن حاليا على 100 جنيه، وربما لن يستطيع تحصيلها بعد قيامه بالثورة ، لذا نرى لأن العديد من المواطنين يفضلون الحصول على مبلغ قليل مضمون بدلا من انتظار مبلغ أكبر مستقبلا غير مضمون ، وهو ما يعبر عنه المثل الشعبي (عصفور في اليد، خير من ألف على الشجر). ولذا  تحرص الأنظمة المستبدة على تخويف الشعوب من مصير بعض الدول التي دخلت حالة احتراب أهلي وشهدت تدخلا دوليا. فالسيسي يقول دائما (لا نريد أن نكون مثل سوريا والعراق) كي يضع في ذهن المواطن صورة ما تعانيه تلك الشعوب من دمار وتشريد.

ورغم ذلك، فقد يصل بالناس الحال لنقطة فاصلة حينها لا تصبح تلك المعادلة مجدية، فتراهن الجماهير على التغيير للحصول على مستقبل أفضل، ولكن هنا تظهر عقبة أخرى تتمثل في من من يحركون الجماهير ويقودها ، فغياب قيادة تلقى قبولا لدى الشعب وتجمع الجماهير وتحركهم هو من أهم النقاط التي تحتاج لمعالجة ، فمواجهة المواطن للنظام وحيدا سيناريو بعيد الحدوث، كما يتيح للنظام أن يجعل المواطن عبرة لغيره، لذا وجود قيادة ورموز فاعلة مؤثرة لها قبول لدى الجماهير أمر هام لا يمكن التغافل عنه أو إهماله ، ويحتاج لجهد ليس بالقليل.

  • لغة الخطاب واهتمامات الشعوب

من المهم أن نفهم اهتمام الشعوب والمجتمعات، وأهم المحركات الدافعة للقيام بالثورات. فأحد أبرز شعارات ثورة يناير هو “عيش حرية عدالة اجتماعية” فكلمة “عيش” تعني الكثير، فمن المعروف أن الخبز في مصر سُمي عيشا لأنه يمثل معاش الناس والطعام الأساسي لهم، فبعد العيش يمكن وضع الكثير من الشعارات، ولكن يجب أن يحتل العيش المرتبة الأولى في شعارات أي حراك. فالناس تتحرك في الأغلب من أجل تلبية الاحتياجات الأساسية التي تتمثل في قوت اليوم اللازم للعيش والسكن الذي يأمن الإنسان فيه على نفسه وأسرته، ثم يتبعها أمور أخرى. فمهم استخدام لغة ومصطلحات يفهمها عموم الناس ، خاصة إذا أردنا تقديم خطاب يتماس مع قطاعات واسعة من المجتمع.

  • تفكيك المجتمع إلى شرائح

إن اهتمامات الأفراد تختلف من شخص إلى آخر ومن بيئة إلى أخرى، فلا ينبغي تقديم خطاب واحد لكافة الجماهير ، ولذا يجب تقسيم شرائح المجتمع ، وترميز أفراد من أبناء تلك الشرائح، واستخدام لغة وخطاب مناسب لكل منهم .ولتقسيم الشرائح علينا النظر إلى الرابط الأكبر بين الأفراد الذين تجمعهم فترات من الزمن أو الجغرافيا أو قواسم أخرى متعددة ، فيمكننا تقسيم الشرائح مثلا لشرائح مثل الأطباء والمعلمين والعمال والطلبة وداخل تلك الشريحة يختلف الخطاب الموجه لها حسب الفترة العمرية لتلك الشريحة، فطلاب الثانوية خطابهم يختلف عن خطاب طلاب الجامعة. . وإذا ما أردنا أن نوجه خطابا عاما يمس قطاعات واسعة فيجب حينها التركيز على المفاصل الأكبر التي تجمع الناس، مثلما ذكرنا سابقا على سبيل المثال لا الحصر “العيش”. إن بناء وتصدير رموز مناسبة لكل شريحة يحتاج إلى جهد ووقت وصناعة حملات واعية وخطابات مناسبة، والبدء من اهتمامات الناس ومشاكلهم والسعي لحلها.

  • الأدوات الأكثر تأثيرا

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي من أكثر الأدوات تأثيرا على الشعوب في العالم أجمع، بل وأفضلها أمانًا بعيدا عن قبضة الأنظمة الباطشة  بل على العكس أصبحت الدول تستخدم تلك الأدوات بهدف التحكم بآراء الشعوب واختياراتهم السياسية ، فضلا عن حياتهم اليومية. فإذا ما أردنا التواصل مع عموم الجماهير، فيجب إنشاء صفحات وحسابات عبر وسائل التواصل الاجتماعي المناسبة للجمهور وشرائحه ، فلكل شريحه أداة وخطاب ووسائل تتناسب معه ، وقد لاحظنا حجم تعاطي نظام السيسي مع ما يُتداول على وسائل التواصل الاجتماعي، والتفاعل معها سواء إيجابا أو سلبا ، وشعوره أنها تشكل تهديدا على نظامه.

اضغط لتحميل الملف
مشاركات الكاتب